ابراهيم بن عمر البقاعي
497
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [ الإسراء : 29 ] ولم يقصد من ذلك غير الجود وضده ، لا غل ولا عنق ولا بسط أصلا ، بل صار هذا الكلام عبارة عما وقع مجازا عنه ، كأنهما متعقبان على معنى واحد ، حتى لو جاد الأقطع إلى المنكب لقيل له ذلك ، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة ، منه الاستواء « وقالت : في السماء » « 1 » المراد منه - كما قاله العلماء - أنه ليس مما يعبده المشركون من الأوثان ، قال في الكشاف : ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية ، ولم يتخلص عن يد الطاعن إذا عبثت به . ولما نطقوا بهذه الكلمة الشنعاء ، وفاهوا بتلك الداهية الدهياء ، أخبر عما جازاهم به سبحانه على صورة ما كان العرب يقابلون به من يستحق الهلاك من الدعاء ، فقال معبرا بالمبني للمفعول إفادة لتحتم الوقوع وتعليما لنا كيف ندعو عليهم ، ولم يسببه عما قبله بالفاء تقوية له على تقدير سؤال سائل : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ دعاء مقبولا وخبرا صادقا ، عن كل خير ، فلا تكاد تجد فيهم كريما ولا شجاعا ولا حاذقا في فن ، وإن كان ذلك لم تظهر له ثمرة وَلُعِنُوا أي أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم بِما قالُوا والمعنى أنهم كما رأوا أحوال المنافقين المقضي في التوراة بأنها إثم وأقروا عليها ، فكذلك نطق بعضهم بكلمة الكفر التي لا أفظع منها ، وسكت عليه الباقون فشاركوه ، ولما كان الغل كناية عن البخل وعدم الإنفاق ، وكان الدعاء بغلهم ولعنهم متضمنا أن الأمر ليس كما قالوا ، ترجمه سبحانه بقوله : بَلْ يَداهُ وهو منزه عن الجارحة وعن كل ما يدخل تحت الوهم مَبْسُوطَتانِ مشيرا بالتثنية إلى غاية الجود ، ليكون رد قولهم وإنكاره بأبلغ ما يكون في قطع تعنتهم وتكذيب قولهم . ولما كان معنى هذا إثبات ما نفوه على أبلغ الأحوال ، قال مصرحا بالمقصود معرفا أنه في إنفاقه مختار فلا غرو أن يبسط لبعض دون بعض : يُنْفِقُ ولما كان إنفاقه سبحانه تحقيقا للاختيار على أحوال متباينة بحيث إنها تفوت الحصر ، أشار إلى التعجيب
--> ( 1 ) صحيح . يشير لحديث معاوية بن الحكم السلمي قال : « كانت لي غنيمات ترعاها جارية لي في قبل أحد والجوانية ، فاطلعت عليها ذات يوم ، وقد ذهب الذئب منها بشاة ، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون ، فصككتها صكة ، فعظم ذلك عليّ ، فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : أفلا أعتقها ؟ قال : ائتني بها فأتيته بها فقال : أين اللّه ؟ قالت : في السماء . قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال : أعتقها ، فإنها مؤمنة » . أخرجه مسلم 537 وأبو داود 930 والنسائي 3 / 14 وفي الكبرى 1141 ، 8589 وابن حبان 165 ومالك 3 / 5 ، 6 والطيالسي 1105 وابن أبي شيبة 11 / 9 ، 20 وأحمد 5 / 447 ، 448 وابن الجارود 212 والطبراني في الكبير 19 / ( 938 ) .